شروط عودة السوريين إلى وطنهم

لقد لم تشهد سوريا في تاريخها موجة نزوح وهجرة على نحو ما حدث بعد اندلاع ثورة عام 2011 وحتى اليوم قريباً من منتصف عام 2026، ولهذا الاعتقاد ما يبرره؛ وأبرز التبريرات أن عدد من نزحوا وهاجروا تجاوز 14 مليون نسمة، شكلوا نحو ثلثي سكان سوريا وفق أرقام عام 2010.
وأحاطت ظروف صعبة وقاسية بموجة النزوح والهجرة؛ سواء التي تمت في الداخل السوري أو باتجاه شتات خارجي واسع وأنها جرت تحت تهديد القتل والاعتقال الأسوأ منه، إضافة إلى أنها واجهت عجزاً إقليمياً ودولياً في القدرة على استيعابها وتلبية احتياجات الحدود الإنسانية الدنيا لملايين، تركوا دون أي سند وقضى نحو 6 ملايين من النازحين في بلدان الجوار والقريبة منها، سنوات طويلة وصعبة في مخيمات بائسة تحت سلطة طبقت سياسات أمنية شديدة، عبرت عن عداوات سياسية ضد اللاجئين.
وسط ظروف النزوح والهجرة، كانت التقديرات تتجه للقول إن سقوط نظام الأسد سيؤدي حتماً إلى عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، والانخراط في معركة تطبيع حياتهم ولعل هذا يفسر موجات الفرح والأمل التي أطلقها السوريون بعد هروب بشار الأسد وأركانه، وإعلان السلطة الجديدة.
وللحق، فإن عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، ليست حلماً أو رغبة؛ بل هي عمل مربوط بما هو عليه الحال والواقع والطموحات، ليس للعائلات الراغبين في العودة، إنما أيضاً بالنسبة للبيئة العامة في البلد و السلطات الجديدة.
أغلب الراغبين في العودة لا يملكون قدرات وإمكانات مادية تساعدهم في العيش بسوريا، هذا حتى إذا كانت بيوتهم وعقاراتهم قابلة للسكن والاستخدام، إضافة إلى أن فرص وظروف العمل سواء لدى القطاع الخاص الذي يعيش أوضاعاً صعبة، أو لدى الدولة ومؤسساتها التي اختفت من الواقع السوري، لأن سنوات حرب النظام الطويلة دمرت، وعطلت بصورة كلية أو جزئية أغلب مؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية، وقتلت وسجنت، وهجرت الكثير من خبراتها وكوادرها، وبعد إسقاط النظام في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أجهزت السلطات الجديدة على كثير من مؤسسات الدولة، خصوصاً ما اتصل منها بالجيش والأجهزة الأمنية.
ولأسباب عدة أبرزها العقوبات الدولية، وعدم توفر الإمكانات المادية والكوادر والخبرات، فقد سارت الدولة ببطء في إقامة مؤسسات وهياكل جديدة وبديلة، وعجزت عن إصلاح وتشغيل أغلب ما بقي من مؤسسات النظام البائد وبناء مؤسسات جديدة، وبالنتيجة ساء الوضع في ميادين العمل وقطاعاته، وزاد الوضع سوءاً في سوق العمل وارتفعت البطالة، وهذه بعض أسباب منعت عودة واسعة للنازحين واللاجئين.

لقد صارت أسباب عدم عودة السوريين إلى مدنهم وقراهم في جملة أسباب تدفع بعض سوريي الداخل للتوجه نحو الخارج، وغالباً فإن الوضع سوف يتفاقم في ظل وقائع بينها ارتفاع الأسعار والتضخم وزيادة معدلات الفقر وصعوبات الحياة الأخرى، ما لم يحدث تدخل قوي وفاعل من جانب الحكومة، من بين خطواته المهمة استعادة أبنائها من الشتات الذين يشكلون الحيز الأهم من قدراتها وثرواتها، ومنع آخرين من الالتحاق بهم في مسار اغتراب جديد، وكلاهما سيسهم في أخذ سوريا والسوريين إلى مستقبل من النمو والتقدم مقروناً بالعدالة والمساواة.
إن تدخل السلطة المطلوب خليط من سياسات وإجراءات إصلاحية، في باب الأولى انتقال إلى سياسة معلنة وفق خطط وأهداف واضحة وقابلة للقياس والتعديل لإنهاض القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، وتلبية احتياجات نموها برعاية المنتجين ومشروعاتهم، ورفع قدرات العاملين وإعادة تأهيل مؤسسات الخدمة وتأمين حماية أسواقها الوطنية، وتعزيز فرص تحولها عملية الإنتاج من الاكتفاء إلى إنتاج تصديري منافس.